حيدر حب الله
70
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
أنّهم إذا أسلموا خلّيَ سبيلهم ، ومعنى ذلك - بمقتضى مفهوم الشرط - أنهم إذا لم يسلموا فلا تخلية لسبيلهم ، بل الحرب والأخذ والقبض عليهم يبقى سائراً سارياً ، إما على نحو الوجوب كما هو ظاهر كلمات العلماء أو على نحو الإباحة من خصوص هذه الآية ، كما هو ظاهر الشربيني في مغني المحتاج « 1 » ؛ فالآية من الآيات الواضحات على هذا الحكم هنا ، وأنّ قتالهم لكفرهم ، وهذه هي روح الجهاد الابتدائي « 2 » . وباجتماع هاتين الآيتين قد نفهم بعض مبرّرات الحكم المعروف بين الفقهاء في التمييز بين أهل الكتاب وغيرهم ؛ فإن الآية الأولى التي تحكي عن أهل الكتاب جعلت منتهى الحرب إعطاء الجزية ، ومن الواضح أنّ دخولهم في الإسلام يوقف الحرب بالتأكيد ، فإذا كانت الجزية توقفها فالإسلام يفعل ذلك بطريق أولى ، مما يجعل الاحتمالات في حقّ أهل الكتاب ثلاثة : القتل أو الإسلام أو الجزية ، وهي تعبير آخر عن صيرورتهم أهل ذمّة أو معاهدين خاضعين . أما في الآية الثانية ، وهي الآية التي يتركّز خطابها في المشركين ، فهي تجعل منتهى الحرب التوبة ، أي الإسلام ، مما يجعل الخيارات المطروحة في موضوع المشرك أقلّ :
--> ( 1 ) مغني المحتاج 4 : 209 . ( 2 ) انظر فهمهم لهذه الآية بهذه الطريقة تقريباً في مثل : الطوسي ، الخلاف 1 : 690 ؛ والمبسوط 2 : 51 ؛ والروضة البهية 2 : 380 ؛ وكتاب الأم 1 : 293 ؛ والمحلى 11 : 196 ؛ وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 : 311 ؛ والميزان في تفسير القرآن 9 : 151 - 152 ؛ والأمثل 5 : 535 - 536 ، رغم أنه في موضع آخر فهم اختصاص الآية بالمشركين العدوانيين ، فانظر : الأمثل 18 : 254 ؛ وجامع البيان 5 : 271 - 272 ؛ والجصاص ، أحكام القرآن 3 : 105 ؛ وابن العربي ، أحكام القرآن 2 : 456 ؛ وتفسير القرطبي 8 : 74 ؛ والغرناطي ، التسهيل لعلوم التن - زيل 2 : 71 ؛ والخوئي ، منهاج الصالحين 1 : 360 .